الشيخ علي المشكيني
67
رسائل قرآنى
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ « 1 » . المراد من المشيئة هنا الإرادة الحتميّة التي يلزمها عقلًا تحقّق المراد بعدها ؛ إمّا لكون كلمة « المشيئة » مستعملة في هذا النحو من الإرادة كما نسبه في المفردات إلى بعض قال : والمشيئة من اللَّه تقتضي وجود الشيء ، ولذلك قيل : « ما شاء اللَّه كان ، وما لم يشأ لم يكن » . والإرادة منه لا تقتضي وجود المراد لا محالة . « 2 » أو أنّها وإن كانت توافق الإرادة في المعنى إلّاأنّ المراد بها هنا ما يوافق هذا المعنى ، فإنّ إرادة اللَّه تعالى على قسمين : تكوينيّة وتشريعيّة . فالأولى : هي إرادته وجود شيء بلا توسّط إرادة واختيار من غيره ، كإرادته وجود السماء والأرض . والثانية : إرادته تحقّق شيء بوساطة إرادة شخص آخر ، كإرادته صدور الأعمال الحسنة من الملك والإنسان والجنّ ، ومرجعها إلى الأمر بالشيء والنهي عنه . والقسم الأوّل لا يتخلّف عن المراد ، والقسم الثاني يمكن فيه التخلّف ، نظير إرادته تعالى الإيمان والعمل الصالح من الكافر والفاسق ، فيصدر منهما الكفر والفسق . فمعنى الآية أنّه لو شاء ربّك إيمان جميع الناس وأراد ذلك إرادة حتميّة لَما حصل التخلّف أبداً ، ولآمنوا كلّهم . وكلمة « لو » تدلّ على أنّه حيث لم يتحقّق إيمان الجميع فلم تتحقّق تلك الإرادة . وقوله : أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ مسوقٌ لبيان أنّ تحقّق تلك الإرادة من اللَّه سببٌ للإكراه والإجبار في الإيمان والعمل ، ولم يرد اللَّه ذلك بالنسبة إلى عقائد الناس وأعمالهم ، ولم يخلقهم اللَّه لذلك ، بل جعلهم في جميع ذلك مختارين غير مضطرّين وهذا أحد معاني قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ « 3 » . إن قلت : إنّ قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهَ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ
--> ( 1 ) . يونس ( 10 ) : 99 . ( 2 ) . مفردات ألفاظ القرآن ، ص 471 ( شيء ) . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 256 .